تصحيح عمود النسب

تصحيح عمود النسب

 

 

يعتقد كثير من الناس أن عموم القبائل التي تنتسب الى المشاييخ يعود أصلهم الى نسل الشيخ إبراهيم رحمه الله ذو الشهرة العريضة المدفون في قرية الخليف . وهذا الأعتقاد بأن هذه القبائل المنتشرة في بلدان متفرقة من نسل هذا الرجل أقول هذا الأعتقاد لا يستند الى أي دليل لا عقلي ولا نقلي ، إذ أن الظرف الزمني قصير جداً ولا يمكن أن يكون جميع هذه القبائل من نسله حيث أن لقب الشيخ ليس مقصوراً عليه وحده وقد أوضحنا أنه جرى إطلاقه على ذرية الحسين رضي الله عنه منذ وقت مبكر للتبجيل والتقدير وصار علماً على جميع الذرية وهذا من وجه ومن حيث ما يتفق مع العقل والواقع .

 أما النقل فإنه لا يوجد أي دليل صحيح يمكن أن يعتد به شرعاً وواقعاً والحقيقة أن الشيخ إبراهيم رحمه الله هو نفسه ما هو إلا أحد نفوس المشاييخ الذين أشار اليهم علماء النسب المعتبرون وأصحاب المصنفات العلمية المختصة أمثال : أحمد بن عنبة في كتابة القيم : (عمدة الطالب في أنساب علي بن أبي طالب) منذ عام 828 هـ ولكن الشيخ إبراهيم إكتسب السمعة والشهرة من خلال عطاءاته العلمية والدعوية وإن كنا لم نطلع على أي مؤلف أو مصنف له إلا انه يبدو أن جهوده أنصبت على الدعوة وتعليم الناس أمور الدين حسب حالتهم التي كانوا عليها من الجهل وظهور بعض مظاهر الشرك التي كان لم يخل منها مكان من الجزيرة العربية قبل ظهور الدعوة التجديدية التي قام بها الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله . وبناءً عليه فإن الاعتقاد بأن عموم المشاييخ يرجع نسبها الى الشيخ إبراهيم اعتقاد خاطىء ولا يسنده لا عقل ولا نقل ولا واقع وما بيناه يدحض هذا الاعتقاد وما ذكرناه هو الصواب والله أعلم ، وما قيل في الشيخ إبراهيم ينطبق تماماً على ما يسمّى بـ (عنقاء) بل أن هذا الأخير بطلان اسمه وصحته واضحة وذلك : أن كلمة عنقاء لا يمكن أن تكون اسماً لرجل فهي صفة للمرأة ذات العنق الطويل ، فالمرأة طويلة العنق يقال لها عنقاء والرجل طويل العنق يقال له أعنق وهكذا .. فليس من المعقول أن يسمي رجل ابنه بصفة امرأة لاسيما الجيل الأول الذين كانوا يعتنون بأسماء أبنائهم ويحرصون على قوة صداها ، ولو أنه دُعِي بابن العنقاء أي بصفة أمه لربما كان في الأمر وجاهة ولكن يبقى الخطأ قائماً حيث أن هذا السند في النسب رفع إلى عنقاء ووصف بالسيد ، ولذا فإن هذا الإسم يكتنفه كثير من الغموض وعدم صحته واضحة لا سيما وأنه وجد من ضمن السلسلة التي وضعت في المشجرة والتي وضحنا بطلانها وعدم صحتها وعدم الاعتداد بها لا سيما بعد وجود بصمات الشيعة الرافضة عليها ، كما أن علماء اللغة قالوا : أن العنقاء طائر هلامي موجود اسمه ولا يرى جسمه ، ولذلك فأن الإحتياط واجب والغريب أن الكثير من فخوذ المشاييخ يدعون نسبتهم إلى عنقاء لما توارثوه عن هذه المشجرة الكاذبة الشيعية بامتياز والله المستعان.

 وقبائل المشاييخ في كثير من البلدان والتي فقدت كثير من قبائلها وأفخاذها ألقابهم القديمة التي كانوا يعرفون بها والمذكورة في بابها من هذا المصنف وأصبح اللقب الذي يوجد بين هذه القبائل هو لقب الشيخي أو الشيوخ والمشيخى ، وأصبحت لفظة المناصير غير مستعملة إلا على السنة الشعراء وبعض كبار السن([1]) والمشاييخ المتواجدون في بلاد زهران وعلى الخصوص في دوقة والخليف هم الذين حافظوا على اللقب ومنهم النسل والعدد ويليهم شهرة مشاييخ البيضين في حلي وكذلك المشاييخ المتحالفين مع العبادلة (الجيالىن) وآل طه في حزيا ومشايخ المضحاة والعرج والمريبي والشعبين وراية وكروان ، وهذه القبائل التي أشرت اليها من أهم قبائل المشاييخ التي يعود نسبها الى منصور([2]) بن محمد بن عبد الله بن عبد الواحد بن مالك بن شهاب الدين الحسين (أمير المدينة) بن الحسين بن المهنا بن داود بن القاسم بن طاهر بن يحيى بن الحسن بن جعفر الملقب جعفر الحجة بن عبيد الله الأعرج بن الحسين الأصغر بن زين العابدين علي بن الحسين بن أبي طالب ، وكان لمنصور المذكور ذرية لكل منهم عقب ونسل يدل على ذلك كثرة المشاييخ وتوزعهم في أماكن متفرقة وأما حصر النسل في شخص واحد هو الشيخ إبراهيم فهذا يقزم القبيلة وليس على ذلك دليل مقنع يتفق مع التحقيق والتدقيق.

 أما الاعتماد على ما جاء في المشجرات الموجودة حاليا في يد البعض والتي أخذ نسب جميع قبائل المشاييخ إلى الشيخ إبراهيم وحده فهذا القول ضعيف ولا يخدمه أي مستند لأن الذي ينظر الى المشجرة يلحظ أنها تركز على رجل واحد من كل نسل وقد رأينا أن الشيخ إبراهيم رحمه الله كان له ابنان وقد ذكر نسل أحدهما دون الآخر مع أن الابن المذكور ذكر أحد ابنائه دون الآخر وهكذا .

ولذلك فإنه لا يمكن أن يعتد بما ذكر في المشجرات وإن كان وجودها في يد المشاييخ يعتبر قرينة قوية على صلة نسب المشاييخ إلى هذه الدوحة الهاشمية دون تفصيل . وهي التي جعلت المشاييخ يعتقدون أنهم جميعاً من نسل الشيخ إبراهيم .. ولم أجد في أي مشجرة ولا في أي مؤلف من كتب الأنساب ما يشير الى لفظة الشيخي وإنما الذي تضمنته كتب الأنساب المعتبرة هو لقب (المناصير) مع ذكر عمود النسب الأعلى الذي تنتسب اليه قبيلة (المناصير) وهو عبيد الله الأعرج بن الحسين الأصغر بن زين العابدين علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ، ولذلك فإنه لا يلزم في إثبات النسب التسلسل إلى الجد الأعلى لأن في ذلك خطورة ومظنة الكذب والوقوع في المحذور لأن ذلك قد يؤدي الى الانتساب إلى رجل لا يدلي اليك بنسب فتقع في موجبات اللعن والعياذ بالله ، وقد ورد في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم : (ليس من رجل أدعى إلى غير أبيه وهو يعلمه إلا كفر ، ومن ادعى قوماً ليس له فيهم فليتبوأ مقعده من النار) صحيح البخاري . وعن أبي عثمان قال : لما ادعى زياد لقيت أبا بكرة فقلت له ما هذا الذي صنعتم ؟ أني سمعت أن سعد بن أبي وقاص يقول : سمعت أذناي من رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقول : من ادعى أبا في الإسلام غير أبيه يعلم أنه غير أبيه فالجنة عليه حرام”([3]) .

 

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

 

 

[1] –  كنت قبل التعمق في البحث اتساءل لماذا يستعمل الشعراء وعلى الأخص شعراء زهران  في مدائحهم للمشايخ لقب المنصري ولم يستعملوا لقب الشيخي، فكنت فعلا اتساءل لأن لقب المنصري أصبح قليل الاستعمال حتى أن الكثير من الناس لا يعلم من المقصود بكلمة المنصري اللهم بعض كبار السن من القبيلة وكذلك القبائل المجاورة أما القبائل البعيدة فلا تعرف  من المقصود بهذه المدائح؟

ولكن بعد التأمل والتحقيق وجدت أن الشعراء على حق وأنهم  كانوا في غاية الدقة عند استعمالهم لفظة المنصري وأعني بالشعراء هنا شعراء زهران لأن قبيلة المناصير التي يمدحونها هي المتحالفة معهم وهم المعنيون بالمدح وكأنهم يعلمون أن قبيلة المناصير ما هي إلا إحدى قبائل المشاييخ المنتشرة في المملكة العربية السعودية وغيرها فكان شعرهم دقيقا فلا يتناولون لقب الشيخي إلا في حدود ضيقة لا تذكر فكأن لسان حالهم يقول نحن لا نمدح إلا من نعرف وهذا يؤكد لنا أن الشعراء يعتبرون من مصادر توثيق النسب ولذلك فقد اشتهر عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه بأنه كثيرا ما يسال وفود القبائل عن شعرائهم وكانوا ينشدونه بعض اشعارهم وقد ينشدها هو متعجباً مستحسناً ويقال أنه كتب الى أبي موسى الاشعري واليه على البصرة قائلاً:” مر من قبلك بتعلم الشعر فإنه يدل على معالي الأخلاق وصواب الرأي ومعرفة الأنساب وفي اعتقادي ان قوله بتعلم الشعر أي تلقيه من الشعراء والأدباء وفهمه والله أعلم. تاريخ الأدب العربي، شوقي ضيف، 43.

[2] –  المشجرة الزكية ، المخطوطة .

[3] –   مختصر صحيح مسلم للألباني : كتاب الايمان.

لا توجد تعليقات

اكتب تعليق